أحمد عبدالله ورفيق الخير- حين يتحول العملالمجتمعي من مبادرة إلى مشروع لأهل قطر

في بعض التجارب، لا يبدأ الأثر من حجم المؤسسة ولا من اتساع حضورها في السوق، بل من الفكرة التي تختار أن تنحاز إلى الإنسان. وهذا ما بدا واضحاً في حديث أحمد عبدالله عن تجربة شركة رفيق ومبادرتها الإنسانية «رفيق الخير»، التي تحولت مع السنوات من مبادرة أطلقتها شركة محلية في ظرف استثنائي إلى مشروع مجتمعي واسع، انتهى بحصولها على جائزة روضة للتميز الاجتماعي، في اعتراف يعكس قيمة الاستمرارية والإخلاص والأثر الحقيقي في المجتمع.
منذ البداية، لم ينظر أحمد عبدالله إلى الجائزة بوصفها تكريماً منفصلاً عن معناها الرمزي، بل ربطها باسم الشيخة روضة بنت محمد بن ثاني، التي اقترنت سيرتها في الذاكرة القطرية بالخير والعمل الإنساني والاجتماعي. ولهذا، فإن قيمة الجائزة بالنسبة إليه لا تتوقف عند لحظة الفوز، بل في الانتماء المعنوي إلى هذا الإرث. ومن هنا جاء تعبيره اللافت بأن الفائزين في هذه الجائزة هم، في المعنى الأعمق، «إخوان روضة»؛ أي أولئك الذين يواصلون أثر الخير والعمل الإنساني الذي عُرفت به قطر وأهلها.
ومن هذا التصور، استعاد أحمد عبدالله قصة «رفيق الخير»، المبادرة التي أطلقتها شركة رفيق عام 2021 في ظل ظروف شديدة الصعوبة فرضتها جائحة كورونا. في تلك المرحلة، كانت البلاد، مثل العالم كله، تعيش تحت إجراءات احترازية صارمة وظروف استثنائية، لكن الشركة اختارت أن ترى في الأزمة دافعاً لإطلاق مشروع إنساني يستهدف فئتين واضحتين: العمال والأسر المتعففة. لم تكن الفكرة آنذاك مكتملة بكل تفاصيلها، كما يروي، بسبب ظروف التباعد والقيود اللوجستية، لكنها انطلقت بالشراكة مع جمعية قطر الخيرية عبر توزيع سلال غذائية ووجبات إفطار صائم يتبرع بها عملاء رفيق من خلال التطبيق.
وكانت السلال الغذائية مصممة لتخدم احتياجات حقيقية؛ إذ تنوعت بين سلال تكفي أربع أفراد وأخرى تكفي ستة أفراد، إلى جانب وجبات إفطار صائم. في سنتها الأولى، اعتمدت المبادرة على التوصيل إلى نقاط محددة تُسلَّم فيها المساعدات إلى مستحقيها، احتراماً لظروف الجائحة ومتطلبات السلامة. غير أن ما بدأ في ظل الضرورة، لم يتوقف عند حدودها، بل تطور عاماً بعد عام ليأخذ شكلاً أوسع وأكثر اقتراباً من الناس.
ومع دخول المبادرة عامها الثاني ثم الثالث، توسعت جغرافياً واجتماعياً. لم تعد محصورة في نقطة توزيع واحدة، بل امتدت إلى قلب الدوحة، ثم إلى الخور شمالاً، والوكرة جنوباً. وأصبح هناك لقاء مباشر مع المستفيدين، وتحوّلت المبادرة تدريجياً من توزيع محدود إلى مشهد مجتمعي حي، تتداخل فيه الشركة، والمتبرعون، والأسر، والعمال، والمتطوعون، في صورة تعكس كيف يمكن لمبادرة خيرية أن تكبر حين تجد من يؤمن بها.
وفي النسخة الثالثة، دخلت منطقة نادي الدحيل إلى خارطة المبادرة، لتصبح واحدة من أشهر محطاتها الرمضانية. لكن التحول الأبرز، كما يصفه أحمد عبدالله، لم يكن فقط في الاتساع الجغرافي أو التنظيمي، بل في الأثر التربوي والاجتماعي الذي بدأت المبادرة تخلقه داخل الأسر القطرية نفسها. فقد صار الأطفال جزءاً أساسياً من هذا المشهد؛ إذ بدأت العائلات تطلب أن يرتدي أبناؤها قميص رفيق ويشاركوا بأنفسهم في توزيع الوجبات على العمال والأسر المتعففة. وهنا، لم تعد المبادرة مجرد عمل خيري في شهر رمضان، بل صارت مدرسة عملية تُمرِّر قيمة الخير من جيل إلى جيل.
ولعل هذه النقطة بالذات هي ما جعل المبادرة تتجاوز مفهومها الأول كشأن تنظمه شركة خاصة. فبحسب أحمد عبدالله، بدأت شركة رفيق نفسها تتراجع تدريجياً من موقع المنظم المركزي، لتترك مساحة أكبر للأطفال وذويهم للمشاركـــــــة، حتى غدت المبادرة، مع مرور الوقت، مبادرة لأهل قطر. وهذا التحول هو في جوهره أحد أهم مؤشرات النجاح الاجتماعي: أن تتسع الفكرة حتى لا تعود ملكاً لجهة واحدة، بل تصبح جزءاً من الوعي العام.
وعند الحديث عن أسباب الفوز بـ جائزة روضة، لا يحصر أحمد عبدالله الأمر في مبادرة واحدة فقط، وإن كانت «رفيق الخير» تمثل جوهر هذا المسار. فهو يرى أن ما قدمته الشركة تمثل أساساً في الإخلاص في العمل، وفي كسر الصورة النمطية التي تحصر القطاع الخاص في الربحية فقط. فالشركات، من وجهة نظره، مطالبة أيضاً بأن يكون لها دور مجتمعي واضح، ينسجم مع رؤية قطر 2030 التي تجعل الأثر الاجتماعي جزءاً من مسؤولية كل مؤسسة، سواء كانت حكومية أو خاصة.
ومن هذا الباب، استعاد مبادرات أخرى للشركة، من بينها فعالية لافتة عام 2023 بمناسبة اليوم العالمي لكبار السن، حين أطلقت رفيق مسيرة ضخمة شارك فيها 100 دراج من سائقي الشركة، انطلقت من كتارا وانتهت في درب لوسيل، في رسالة تؤكد حضور الشركة في المجتمع وحرصها على الإسهام في المناسبات ذات البعد الإنساني. بالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر بمبادرة منفصلة هنا أو هناك، بل بفلسفة كاملة ترى أن الشركة القطرية، ما دامت تنتمي إلى هذا الوطن، ينبغي أن تكون مواكبة لما يهدف إليه على مستوى الإنسان والمجتمع.
وعندما سُئل عن الفراغ الذي تسده مثل هذه المبادرات، عاد إلى نقطة أساسية: الاستمرارية. فلو لم تستمر «رفيق الخير» على مدى ست سنوات، لما وصلت إلى ما وصلت إليه. ويشير هنا إلى أهمية الشركاء الذين دعموا المبادرة في مراحلها المختلفة. ففي السنوات الأربع الأولى، تكفلت قطر الخيرية بترخيص المبادرة ودعم انطلاقتها، ثم واصلت الهلال الأحمر القطري الشراكة في النسختين الخامسة والسادسة، وهو ما اعتبره أحمد عبدالله اعترافاً مؤسسياً بنجاح المبادرة ونضجها.
كما اتسعت دائرة الداعمين بمرور الوقت. ففي النسخة الثانية بدأ الدعم من شركات مثل فودافون، ثم في 2023 كبر هذا الخط وبرزت شراكات مع أوريدو وودام، ثم اتسع لاحقاً ليشمل بلدنا وبنك دخان ووزارة الرياضة والشباب وجهات أخرى. وهذه الشراكات، في نظره، لم تكن مجرد رعاية، بل مؤشر على أن المبادرة لم تعد عملاً محدوداً، بل مشروعاً له وزن وتأثير حقيقيان. كما أن الشركة نفسها كانت تتحمل جانباً كبيراً من الكلفة من مالها الخاص، رغم أن المبادرة ذات طابع خيري وإنساني صرف، وهو ما جعله يؤكد أن الحساب هنا ليس ربحياً، بل أخلاقي وإنساني بالدرجة الأولى.
ومن المحطات التي يتوقف عندها أحمد عبدالله بوصفها من أكثر اللحظات عمقاً في مسيرة المبادرة، «قافلة رفيق الخير» التي انطلقت في رمضان 2023 من الدوحة ووصلت إلى الشمال السوري والجنوب التركي. وقد مثّل هذا الامتداد الخارجي نقلة جديدة، لأن المبادرة خرجت من نطاقها المحلي إلى بعد إنساني أوسع. وهو ما جعله يؤكد أن الفوز بالجائزة لا يعني التوقف، بل العكس تماماً: أن النسخة المقبلة يجب أن تكون أكبر وأوسع وأكثر تأثيراً.
وعن الفئات الأكثر استفادة، يظل الجواب المباشر عنده واضحاً: العمال والأسر المتعففة هما الفئتان الأساسيتان المستهدفتان. لكنّه يضيف فئة ثالثة لم تكن مستهدفة في الأصل بقدر ما كُشف أثرها مع الزمن، وهي الأطفال الذين شاركوا في المبادرة. هؤلاء، من وجهة نظره، كانوا من أكبر المستفيدين، لأنهم لم يحصلوا على مساعدة مادية، بل على خبرة إنسانية وتربوية ترسخت في وجدانهم. ويرى أن إصرار الأسر على إشراك أبنائها في التوزيع، وفي حمل روح المبادرة، منح «رفيق الخير» قيمة أعمق، لأنها أصبحت تزرع ثقافة العمل الخيري في نفوس جيل جديد.
وفي حديثه عن تطوير المبادرة مستقبلاً، يلمّح أحمد عبدالله إلى أن شركة رفيق تنظر إلى المجال الاجتماعي بوصفه مساراً متصلاً لا يتوقف عند «رفيق الخير» وحدها. فهو يتحدث عن رغبتهم في دخول مبادرات وجوائز أخرى، وعن توسيع مفهوم الأثر الاجتماعي داخل الشركة ليشمل جوانب مثل توظيف ذوي الاحتياجات الخاصة، مشيراً إلى وجود موظفين من فئة الصم والبكم داخل الشركة، وإن لم يُعلن ذلك بصورة موسعة من قبل. وهذا، في نظره، امتداد لفكرة أن الأثر المجتمعي ليس إعلاناً دعائياً، بل ممارسة حقيقية تتجسد في القرارات اليومية للمؤسسة.
ومن زاوية أوسع، يرى أحمد عبدالله أن مثل هذا التكريم سيدفع مؤسسات وشركات أخرى إلى الانتباه أكثر لقيمة العمل الاجتماعي، خاصة مع ترسيخ جائزة روضة كمنصة وطنية معتبرة ستتكرر كل عامين. ويتوقع أن تصبح المنافسة في النسخ المقبلة أشد، مع ارتفاع مستوى الوعي بالمعايير المطلوبة، ومنها أن تكون المبادرة قد استمرت أربع سنوات على الأقل. لكنه، رغم ذلك، يقلل من أهمية المنافسة بوصفها غاية بحد ذاتها، ويعيد التركيز على فكرتين يراهما الأساس: الاستمرارية والإخلاص.
وفي نصيحته لمن يطمح إلى إنجازات مماثلة، يلخص الأمر في ثلاث كلمات تقريباً: النية الصادقة، والعمل الجاد، والابتكار. فالعمل الخيري، كما يقول، يحتاج أيضاً إلى ابتكار، لا في الشكل فقط، بل في الطريقة التي يصل بها إلى الناس ويحقق بها مصلحتهم. وهو يرى أن الأثر الحقيقي هو ما يبقى، وما لا ينساه الناس بعد انتهاء المبادرة أو المناسبة.
أما رسالته للمؤسسات الأخرى، فهي دعوة صريحة إلى العمل بروح الفريق. فكل إنجاز، في رأيه، لا تصنعه فردية القائد وحدها، بل تصنعه المنظومة التي تعمل معه وتسانده وتنتبه لما قد يغفل عنه. ويستحضر هنا تجربة الشركة نفسها، وكيف أن مجلس الإدارة كان مشغولاً بتفاصيله اليومية ومشاريعه وصفقاته، بينما انتبهت الإدارات الأخرى إلى الجائزة وأهمية الترشح لها، ثم اجتمع الجميع على قرار التقدم بثقة بعد فوزهم السابق في الجائزة الخليجية لوزراء مجلس التعاون الخليجي التنموي في سبتمبر 2025 بالكويت. ومن هناك، تشكلت القناعة بأن «رفيق الخير» تستحق أن تدخل سباق جائزة روضة في نسختها الأولى.
وفي النهاية، لا يقدّم حديث أحمد عبدالله مجرد قصة فوز بجائزة، بل يكشف عن تطور فكرة صغيرة إلى مشروع مجتمعي واسع، وعن كيفية تحوّل شركة خاصة إلى طرف فاعل في المجال الإنساني من دون أن تفقد هويتها أو رسالتها الأساسية. والأهم من ذلك، أنه يقدّم نموذجاً لفكرة تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في أثرها: أن العمل الاجتماعي الحقيقي لا يُقاس فقط بما يوزَّع من سلال أو وجبات، بل بما يزرعه من ثقة، وما يخلقه من شراكات، وما يتركه من أثر باقٍ في الناس.
وهكذا، تبدو «رفيق الخير» أكثر من مبادرة رمضانية، وأكثر من ملف فاز بجائزة؛ إنها قصة استمرارية وإيمان، وتجربة تؤكد أن القطاع الخاص حين يختار أن ينحاز إلى مجتمعه بصدق، لا يصنع فقط سمعة طيبة، بل يشارك فعلاً في بناء معنى أوسع للنجاح.

موضوعات ذات صلة

Leave a Comment