في عالم ريادة الأعمال، لا تبدأ المشاريع الكبيرة دائماً من خطط معقدة أو رؤوس أموال ضخمة، بل كثيراً ما تولد من ملاحظة بسيطة لمشكلة يومية، ومن رغبة حقيقية في تحويل هذه المشكلة إلى حل عملي. ومن هذا المنطلق، تروي نورة الهاجري تجربتها مع مشروع «لبيس» بوصفه ثمرة رحلة طويلة من التجربة، والمحاولة، والفشل، والتعلم، وصولاً إلى مشروع ترى فيه اليوم ملامح منصة قطرية واعدة قادرة على دعم المنتجات المحلية وتسهيل وصولها إلى الجمهور.
نورة الهاجري، وهي طالبة بكالوريوس في علم البيانات والأمن السيبراني بجامعة الدوحة للعلوم والتكنولوجيا، لا تقدم نفسها فقط بوصفها صاحبة مشروع، بل بوصفها شابة دخلت عالم ريادة الأعمال مبكراً، وخاضت فيه تجارب متعددة خلال ما يقارب خمس سنوات. وتقول إن هذه الرحلة لم تكن مستقيمة أو سهلة، فقد جربت أكثر من مشروع، نجح بعضها وتعثر بعضها الآخر، غير أن كل تجربة أضافت إليها شيئاً جديداً، وأسهمت في تشكيل شخصيتها الريادية، وأوصلتها إلى المرحلة التي تقف فيها اليوم بثقة أكبر ووعي أعمق.
وتعود بداياتها في هذا المجال إلى الفضول والرغبة في التجربة. فقد كانت لديها أفكار كثيرة، لكنها لم ترد أن تبقيها حبيسة الذهن، بل أرادت أن تراها على أرض الواقع. ومن هنا، بدأت أولى المحاولات. ومع أن المشروعين الأولين لم ينجحا، فإنها لا تتحدث عنهما بوصفهما إخفاقين بقدر ما تراهما جزءاً طبيعياً من رحلة التكوين. فالفشل، في نظرها، لم يكن سبباً للتراجع، بل دافعاً إلى التعلم والاستمرار، وهو ما جعلها تصل لاحقاً إلى مشروعين ناجحين، من بينهما مشروع «لبيس» الذي تراهن عليه اليوم بوصفه خطوة مهمة في مسيرتها.
أما الدافع المباشر وراء إطلاق «لبيس»، فكان في جوهره مشكلة حقيقية يعيشها الشباب القطريون وأصحاب المشاريع يومياً. وتوضح نورة أن الفكرة لم تأتِ من فراغ، بل من ملاحظة متكررة، ثم من بحث أعمق أكد أن هذه المشكلة ليست فردية أو عابرة، بل هي موجودة لدى كثيرين في السوق. وبحكم أن نورة وشركاءها كانوا من خلفية علم البيانات، فقد شعروا أن لديهم الأدوات التي تمكنهم من ترجمة هذا التحدي إلى حل رقمي واضح، وأن تنفيذ الفكرة ممكن من الناحية التقنية والعملية. ومن هنا، انطلق مشروع «لبيس» بوصفه استجابة لحاجة واقعية في السوق، لا مجرد مبادرة تجريبية.
وتشرح نورة فكرة المشروع بلغة بسيطة وقريبة، فتقول إن اســـــم «لبيس» مشتق
من معنى الشخص الذي يعرف كيف يلبس. وتضيف أن الاسم نفسه جرى ابتكاره ليكون معبراً عن الفكرة وجاذباً في الوقت ذاته. المشروع، كما توضحه، بدأ من يوسف بوصفه المؤسس الرئيسي، فيما شاركت هي وزميلتها نورة المري بصفتهما شريكتين مؤسستين في تطوير الفكرة وتحويلها من تصور أولي إلى مشروع فعلي. وتكمن فكرة «لبيس» في أنه منصة تجمع المنتجات القطرية من الملابس والإكسسوارات في مكان واحد، بحيث تسهّل على المستخدم عملية الشراء، وفي الوقت نفسه تمنح أصحاب المشاريع المحلية فرصة لعرض منتجاتهم بصورة احترافية ومنظمة.
وفي هذا المعنى، لا يبدو «لبيس» مجرد متجر إلكتروني، بل منصة تحاول أن تحل مشكلة مزدوجة: من جهة، تسهيل وصول المستهلك إلى المنتجات المحلية المتنوعة، ومن جهة أخرى، مساعدة أصحاب المشاريع الصغيرة والمتاجر القطرية على الظهور والوصول إلى جمهور أوسع. وهذا ما يمنح المشروع بعده الاقتصادي والمحلي في آن واحد، لأنه لا يتعامل فقط مع البيع، بل مع دعم المشاريع القطرية وتقديمها في إطار رقمي موحد.
وعن واحدة من أهم المحطات في مسيرة المشروع، تتحدث نورة عن تجربتها في قمة الويب 2026، والتي تصفها بأنها كانت نقطة تحول كبيرة. فقد غيرت هذه التجربة نظرتهم إلى مشروعهم، وجعلتهم يرون قيمة الفكرة بصورة أوضح، لا فقط لأنهم عرضوا المشروع في منصة عالمية، بل لأنهم احتكوا مباشرة بمستثمرين، وشركاء، وأصحاب خبرة، وخرجوا من هناك بفرص حقيقية، من بينها التعاقد مع شركاء في مجال اللوجستيات. كما أن القمة، بحسب وصفها، لم تمنحهم دعماً معنوياً فحسب، بل دفعتهم إلى إعادة التفكير في بعض الجوانب التي كانوا ينوون تطبيقها، وساعدتهم على تطوير المشروع وتعديل بعض التصورات بما يتناسب مع متطلبات السوق وفرص النجاح الفعلية.
لكن هذا التحول لم يأتِ من دون صعوبات سبقت الوصول إليه. فعن التحديات التي واجهتها في المراحل الأولى، تشير نورة إلى أن أكبرها كان الرفض والتشكيك في الفكرة. غير أنها تكتشف اليوم أن المشكلة لم تكن في الفكرة نفسها، بل في نوعية الأشخاص الذين كانوا يقيّمونها. فقد كانت كثير من الآراء التي تسمعها صادرة عن أشخاص ليسوا من المجال الريادي أصلاً، وهو ما جعلها تتلقى تقييمات لا تنتمي إلى منطق السوق أو عقلية الاستثمار. وعندما ذهبت إلى قمة الويب، وجدت أن ردود الفعل من المستثمرين وأصحاب الخبرة كانت مختلفة تماماً، الأمر الذي منحها ثقة أكبر بأن ما تعمل عليه له قيمة فعلية.
إلى جانب ذلك، واجه المشروع تحدياً عملياً واضحاً في الوصول إلى أصحاب المشاريع المحلية أنفسهم. فبعض أصحاب المشاريع، كما تروي، لا يملكون محلاً ثابتاً أو عنواناً واضحاً، وبعضهم لا يمتلك موقعاً إلكترونياً أو بريداً رسمياً، ما يجعل التواصل معهم يعتمد على الواتساب أو إنستغرام. ومع كثرة الرسائل التي تصلهم عبر هذه الوسائل، يصبح من الصعب جداً أن تصل رسالة فريق «لبيس» أصلاً وسط هذا الزحام. لكن المفارقة أن هذا التحدي نفسه شكّل بالنسبة لهم دليلاً إضافياً على حاجة السوق إلى منصتهم، لأن صعوبة الوصول إلى هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة تؤكد أن وجود منصة موحدة ومنظمة لعرضها بات أمراً ضرورياً بالفعل.
وعندما تتحدث نورة عن ردود الفعل التي تلقتها في قمة الويب، يبرز الحماس واضحاً في كلامها. فهي تصفها بأنها كانت إيجابية جداً، خصوصاً من المستثمرين، وترى أن إعجاب المستثمر بالفكرة خلال الدقائق الأولى من عرضها هو بحد ذاته مؤشر مهم على أن المشروع يحمل عناصر نجاح حقيقية. والأكثر إثارة بالنسبة لها أن هذا الاهتمام جاء قبل الإطلاق الفعلي للمنصة، أي في وقت لم يكن المنتج النهائي قد خرج إلى المستخدمين بعد. وهذا ما جعل الفريق يتساءل بحماس: إذا كان المشروع قد جذب مستثمرين قبل أن ينطلق رسمياً، فكيف ستكون ردة فعل السوق بعد الإطلاق؟ ومن هنا، شكّل هذا الاهتمام المبكر دفعة قوية للاستمرار، ومصدراً إضافياً للثقة بأن الفكرة تتحرك في الاتجاه الصحيح.
وفي ما يتعلق بجودة المنتجات وتجربة المستخدم، تميز نورة بوضوح بين الأمرين. فهي توضح أن جودة المنتجات نفسها تعود إلى المتاجر والشركات القطرية العارضة على المنصة، لأن «لبيس» ليس منتجاً واحداً بحد ذاته، بل منصة تجمع منتجات بـــائعين
مختلفين. أما ما تتحمل المنصة مسؤوليته بشكل مباشر، فهو تجربة المستخدم، وهي نقطة تؤكد نورة أنها تحظى بتركيز كبير لدى الفريق، بحيث تكون المنصة سهلة، وسريعة، وسلسة في الاستخدام. ومن هنا، فإن نجاح «لبيس» لا يقوم فقط على نوعية المنتجات المعروضة، بل أيضاً على سهولة الوصول إليها، وطريقة التصفح، ووضوح الواجهة، وسلاسة الشراء.
أما عن رؤيتها لمستقبل المشروع خلال السنوات الخمس المقبلة، فتتحدث نورة بطموح واضح. فهي ترى «لبيس» بوصفه مشروعاً يمكن أن يتحول إلى أكبر منصة لبيع الملابس والإكسسوارات التي تجمع المشاريع القطرية، وربما الخليجية لاحقاً، في مكان واحد. كما تطمح إلى أن يصل عدد المشاريع الموجودة على المنصة إلى أكثر من ألف مشروع، وهو طموح يكشف أنها لا ترى المشروع مجرد تجربة آنية، بل منصة قابلة للتوسع والتأثير إقليمياً.
ومع ذلك، فإن هذا الطموح لا يأخذ شكل التوسع العشوائي أو الانبهار بفكرة العالمية من أجل العالمية نفسها. فعندما سُئلت عن خطط التوسع خارج قطر، أوضحت نورة أن التركيز الحالي ينصب على قطر ودول الخليج، وليس على الأسواق العالمية. وتقول إن كثيراً من المستثمرين يستغربون هذا الجواب ويسألون: لماذا لا تطمحون إلى العالمية؟ لكنها ترى أن الجواب بسيط وواضح: هدف «لبيس» الأساسي هو دعم المنتجات المحلية. ففي الأسواق الغربية توجد منصات عديدة تجمع العلامات العالمية ولا تحتاج إلى من يدعمها، بينما المنطقة المحلية والخليجية أحوج إلى منصات تركز على البراندات الصغيرة والمشاريع القريبة من بيئتها الثقافية والاجتماعية. وهنا، يبدو أن «لبيس» يحمل منذ البداية هوية واضحة لا تريد أن تفقدها تحت إغراء التوسع غير المدروس.
وعن الشخصيات التي أثرت في مسيرتها، تذكر نورة عدداً من الأسماء التي جاء تأثيرها من زوايا مختلفة، من دكاترة ومدربين ومستثمرين، لكنها تشير بشكل خاص إلى حمد الهاجري صاحب شركة سنونو، إلى جانب بعض العاملين في سنونو، وكذلك المستثمرين خالد الهاجري وعبدالرحمن القحطاني. ورغم أن بعض اللقاءات معهم كانت قصيرة، فإنها ترى أن نصائحهم، خصوصاً خلال قمة الويب، كانت مباشرة ومفيدة وغيرت طريقة تفكيرهم في المشروع. والأهم أنها جعلتهم يبدأون في التفكير بعقلية المستثمر نفسه: ما الذي يلفت انتباه المستثمر؟ كيف يقرأ المشروع؟ وما الذي يحتاج أن يراه في العرض؟ وهذا التحول في زاوية النظر، من رأي صاحب الفكرة إلى عين المستثمر، يبدو من أهم ما خرجوا به من التجربة.
أما عن طرق التعاون مع «لبيس»، فتوضح نورة أن كل من يرغب في الانضمام إلى المنصة أو التعاون معها يمكنه الدخول إلى موقعهم
والتسجيل أو التواصل عبر البريد الإلكتروني، على أن يتم الرد والتواصل معه لاحقاً. وهذا يعني أن المشروع بدأ بالفعل في فتح أبوابه أمام الشركات وأصحاب المشاريع والمهتمين بالشراكة أو الوجود على المنصة.
وفي ختام حديثها، توجه نورة رسالة صريحة إلى قراء مجلة سنع، وتكاد تكون هذه الرسالة خلاصة فلسفتها في العمل والريادة. فهي تقول بوضوح: لا تنتظر الكمال، ابدأ. وترى أن الفشل جزء طبيعي من الرحلة، وأن التجربة، مهما كانت مكلفة أو متعبة، هي المعلم الحقيقي. وهي تتحدث عن نفسها بوصفها نموذجاً لهذا المعنى؛ إذ فشلت في مشروعين ونجحت في مشروعين، لكنها لم تتوقف، لأن كل خطوة كانت تقربها من فهم أعمق لنفسها وللسوق ولريادة الأعمال. وتنصح الشباب، وخاصة الفتيات، بأن ينظروا إلى التجربة العملية كما لو كانت دورة تدريبية حقيقية؛ فبدلاً من دفع المال فقط في الدورات النظرية، يمكن للإنسان أن يستثمر في تجربته الخاصة، حتى لو فشل، لأن ما سيتعلمه منها قد لا يجده في الجامعة أو في أي برنامج تدريبي مدفوع.
وهكذا، تبدو قصة نورة الهاجري مع «لبيس» أقرب إلى حكاية جيل جديد من رواد الأعمال في قطر: جيل يبدأ من الواقع، ويتعلم من التعثر، ويفكر بلغته المحلية، لكنه يمد عينه إلى أفق أوسع. جيل لا ينتظر الظروف المثالية كي يبدأ، بل يصنع بدايته من الإيمان بالفكرة، ومن الجرأة على خوض التجربة.
في حوار مع سنع – مؤسسة براند “ لبيّس” نورة الهاجري تجربتنا في ويب 2026 كانت نقطة تحول كبيرة لنا
