في قصص ريادة الأعمال، لا يبدأ النجاح عادة من لحظة الظهور الكبيرة، بل من تراكم طويل من الشغف، والتجربة، والتعلّم، والفشل، ثم العودة من جديد بصورة أكثر وعياً وصلابة. وهذا ما يتجلى بوضوح في تجربة حمد مبارك الهاجري، الذي لا يختصر رحلته في تأسيس «سنونو» بوصفها قصة شركة تقنية ناجحة فحسب، بل يراها امتداداً لمسار طويل بدأ منذ الطفولة، حين كان مفتوناً بالأجهزة والبرمجة والتقنية، ثم تبلور لاحقاً داخل المنظومة التعليمية والمهنية، حتى أصبح مشروعه اليوم أحد أبرز النماذج القطرية في الاقتصاد الرقمي والابتكار.
يعود الهاجري بالبداية إلى عام 1999، حين بدأ رحلته العملية في شركة قطر للطاقة كمساعد فني، قبل أن يواصل مساره الأكاديمي ويتدرج في دراسة الهندسة، ثم هندسة الروبوتات، وبعدها الماجستير في بريطانيا، وصولاً إلى الماجستير التنفيذي من HEC Paris عام 2017، ثم الدكتوراه في اليابان عام 2021. وبين هذه المحطات، لم يكن التعليم بالنسبة إليه مجرد تحصيل علمي، بل مساحة لاكتشاف الذات وتحديد الاتجاه الحقيقي للشغف. ويقول إن أحد أهم التحولات في وعيه حدثت تحديداً خلال دراسته في HEC Paris، حين سمع لأول مرة بمفهوم الرعاية، أو ريادة الأعمال، بوصفه مساراً معرفياً ومنهجياً، لا مجرد ميول شخصية أو رغبة في إنشاء مشروع.
وهنا، بدأ يكتشف أن رائد الأعمال ليس فقط من يؤسس شركة، بل هو الشخص الذي يرى فرصة داخل مشكلة، ويحوّل حل هذه المشكلة إلى ابتكار يخدم فئة من العملاء، ثم يتحول هذا الابتكار إلى مشروع يمكن تطويره وتكبيره بحسب حجم الحلم. لكن هذا الاكتشاف المتأخر نسبياً لم يكن منفصلاً عن جذور أقدم؛ إذ يؤكد الهاجري أن حبه للتقنية بدأ منذ الطفولة، حين حصل على أول جهاز «صخر» عام 1986، وكان يتعلم البرمجة وهو في السابعة من عمره. كما أن شغفه ببناء الحلول التقنية لم يكن جديداً على شخصيته، فقد أنشأ في وقت مبكر مركزاً لتطوير التطبيقات على أجهزة نوكيا. ولذلك، فإن ريادة الأعمال لم تكن غريبة عنه، بل كانت حاضرة داخله قبل أن تتخذ اسمها الواضح وتكتمل أدواتها داخل التعليم المناسب.
ومن هذا المنطلق، يشدد الهاجري على أن تعليم ريادة الأعمال داخل المناهج التعليمية مسألة شديدة الأهمية، لأن الطالب قد يحمل الشغف والموهبة والرغبة في الابتكار، لكنه يحتاج إلى البيئة التي تعرّفه على هذه المفاهيم وتمنحه اللغة والأدوات والاتجاه. وربما لهذا السبب يبدو حديثه عن التعليم جزءاً أساسياً من قصته، لا مجرد خلفية لها.
لكن، كما هي الحال في كل تجربة ريادية، لم تكن الطريق مفروشة بالنجاحات المباشرة. بل على العكس، يوضح الهاجري أن الصعوبات جزء أصيل من رحلة رائد الأعمال، لأن هذا النوع من الرحلات لا يقوم أصلاً داخل منطقة الراحة، بل خارجها تماماً. فريادة الأعمال، من وجهة نظره، رحلة قوامها التحديات، والفشل، والبحث المستمر عن الحلول، والتعامل الدائم مع واقع متغير وغير مضمون. ولهذا، فإن السؤال عن الصعوبات لا يبدو بالنسبة إليه سؤالاً استثنائياً، بل كأنه سؤال عن جوهر الرحلة نفسها.
ويشرح أن التحدي في ريادة الأعمال لا يقتصر على بناء الفكرة فقط، بل يمتد إلى بناء الفريق المناسب الذي يستطيع تحويل هذه الفكرة إلى منتج أو خدمة قابلة للحياة. ففي المشاريع التقنية تحديداً، لا يكفي أن تكون لديك رؤية، بل تحتاج إلى مدير منتج مناسب، ومهندسين مناسبين، وأشخاص يملكون المهارة والانسجام مع الحلم نفسه. وهذه، كما يصفها، ليست رحلة سهلة. فاختيار الأشخاص المناسبين وتكوين الفريق ثم الحفاظ على توسعه وتطوره يمثل واحداً من أكثر التحديات حساسية في أي شركة ناشئة.
أما «سنونو» نفسها، فلم تولد في صورتها الحالية من أول محاولة ناجحة، بل مرت بمخاض طويل من التعديل وإعادة التفكير. ويكشف الهاجري أن الفكرة الأولى للشركة كانت في الأصل منصة توصيل للمشاريع المنزلية، لكنها لم تنجح في نسختها الأولى. فقد اكتشف لاحقاً أن عدد المشاريع المنزلية آنذاك لم يكن كافياً، وأن الوقت لم يكن مناسباً بعد. ولهذا تم إغلاق سنونو في المرة الأولى. كما يشير أيضاً إلى أن من التحديات المبكرة التي واجهها في تلك المرحلة اختياره لفريق تقني لم يكن مناسباً بما يكفي، وهو ما جعله يعيد النظر في البناء كله.
لكن هذا الفشل لم يكن نهاية المشروع، بل كان خطوة ضمن عملية التعلّم. فقد حاول مرة ثانية، ثم فشلت المحاولة الثانية أيضاً، قبل أن تأتي المحاولة الثالثة في توقيت مختلف تماماً، وهو زمن جائحة كورونا. وهنا، كما يروي، تغير سلوك المستهلك بصورة كبيرة؛ فالناس الذين كانوا يتساءلون سابقاً: لماذا أطلب القهوة أونلاين؟ أو لماذا أشتري السوبرماركت عبر التطبيق؟ أصبحوا، بفعل الظروف، أكثر استعداداً لتبني هذا السلوك. ومن هنا، وجد أن اللحظة أصبحت مواتية، وأن الفكرة التي لم تكن قابلة للحياة قبل سنوات، أصبحت جديداً على شخصيته، فقد أنشأ في وقت مبكر مركزاً لتطوير التطبيقات على أجهزة نوكيا. ولذلك، فإن ريادة الأعمال لم تكن غريبة عنه، بل كانت حاضرة داخله قبل أن تتخذ اسمها الواضح وتكتمل أدواتها داخل التعليم المناسب.
ومن هذا المنطلق، يشدد الهاجري على أن تعليم ريادة الأعمال داخل المناهج التعليمية مسألة شديدة الأهمية، لأن الطالب قد يحمل الشغف والموهبة والرغبة في الابتكار، لكنه يحتاج إلى البيئة التي تعرّفه على هذه المفاهيم وتمنحه اللغة والأدوات والاتجاه. وربما لهذا السبب يبدو حديثه عن التعليم جزءاً أساسياً من قصته، لا مجرد خلفية لها.
لكن، كما هي الحال في كل تجربة ريادية، لم تكن الطريق مفروشة بالنجاحات المباشرة. بل على العكس، يوضح الهاجري أن الصعوبات جزء أصيل من رحلة رائد الأعمال، لأن هذا النوع من الرحلات لا يقوم أصلاً داخل منطقة الراحة، بل خارجها تماماً. فريادة الأعمال، من وجهة نظره، رحلة قوامها التحديات، والفشل، والبحث المستمر عن الحلول، والتعامل الدائم مع واقع متغير وغير مضمون. ولهذا، فإن السؤال عن الصعوبات لا يبدو بالنسبة إليه سؤالاً استثنائياً، بل كأنه سؤال عن جوهر الرحلة نفسها.
ويشرح أن التحدي في ريادة الأعمال لا يقتصر على بناء الفكرة فقط، بل يمتد إلى بناء الفريق المناسب الذي يستطيع تحويل هذه الفكرة إلى منتج أو خدمة قابلة للحياة. ففي المشاريع التقنية تحديداً، لا يكفي أن تكون لديك رؤية، بل تحتاج إلى مدير منتج مناسب، ومهندسين مناسبين، وأشخاص يملكون المهارة والانسجام مع الحلم نفسه. وهذه، كما يصفها، ليست رحلة سهلة. فاختيار الأشخاص المناسبين وتكوين الفريق ثم الحفاظ على توسعه وتطوره يمثل واحداً من أكثر التحديات حساسية في أي شركة ناشئة.
أما «سنونو» نفسها، فلم تولد في صورتها الحالية من أول محاولة ناجحة، بل مرت بمخاض طويل من التعديل وإعادة التفكير. ويكشف الهاجري أن الفكرة الأولى للشركة كانت في الأصل منصة توصيل للمشاريع المنزلية، لكنها لم تنجح في نسختها الأولى. فقد اكتشف لاحقاً أن عدد المشاريع المنزلية آنذاك لم يكن كافياً، وأن الوقت لم يكن مناسباً بعد. ولهذا تم إغلاق سنونو في المرة الأولى. كما يشير أيضاً إلى أن من التحديات المبكرة التي واجهها في تلك المرحلة اختياره لفريق تقني لم يكن مناسباً بما يكفي، وهو ما جعله يعيد النظر في البناء كله.
لكن هذا الفشل لم يكن نهاية المشروع، بل كان خطوة ضمن عملية التعلّم. فقد حاول مرة ثانية، ثم فشلت المحاولة الثانية أيضاً، قبل أن تأتي المحاولة الثالثة في توقيت مختلف تماماً، وهو زمن جائحة كورونا. وهنا، كما يروي، تغير سلوك المستهلك بصورة كبيرة؛ فالناس الذين كانوا يتساءلون سابقاً: لماذا أطلب القهوة أونلاين؟ أو لماذا أشتري السوبرماركت عبر التطبيق؟ أصبحوا، بفعل الظروف، أكثر استعداداً لتبني هذا السلوك. ومن هنا، وجد أن اللحظة أصبحت مواتية، وأن الفكرة التي لم تكن قابلة للحياة قبل سنوات، أصبحت في مسار الشركة، الاندماج مع شركة سعودية، وهو قرار يراه جزءاً من بناء منظومة عربية قادرة على منافسة الشركات الأجنبية. ففي نظره، لم تعد الأسواق اليوم قادرة على الاستمرار منفردة بمعزل عن التحالفات والتكتلات الإقليمية، ولهذا كان الاندماج قراراً استراتيجياً يصب في مصلحة النمو والمنافسة.
ولا يتوقف دور سنونو، كما يراه الهاجري، عند بناء شركة تقنية ناجحة، بل يمتد إلى دعم رواد الأعمال الشباب والمشاريع الصغيرة. وهو يميز هنا بين نوعين من الدعم. الأول هو دعم المشاريع الموجودة أصلاً داخل منظومة سنونو، مثل المطابخ المنزلية، والمتاجر الإلكترونية، والمشاريع المنزلية، ويذكر أن الشركة تضم اليوم أكثر من 8000 مشروع، بينها أكثر من 400 مشروع منزلي، كثير منها تديره قطريات أو بنات قطريات. ويشير إلى أن سنونو تستثمر 10 ملايين ريال سنوياً لدعم هذه المشاريع، وتقويتها وتوسيع حضورها داخل المنصة.
أما النوع الثاني من الدعم، فهو موجه إلى رواد الأعمال الذين يملكون مشاريع تقنية مستقلة عن سنونو. وهنا، يوضح أن الشركة تستضيفهم، وتطلعهم على تجربتها، وتشرح لهم كيف تُبنى الشركات الناشئة، وكيف يتشكل الفريق، وكيف تنمو الفكرة. كما أن لدى سنونو صندوقاً استثمارياً على مستوى الشركة، وصندوقاً آخر على مستوى الهاجري الشخصي، يستثمران في المشاريع الناشئة في مراحلها المبكرة، وقد كشف أن إحدى الشركات التي أسسها شباب من خريجي جامعة قطر حصلت مؤخراً على استثمار بقيمة 500 ألف دولار.
وعندما ينتقل الحديث إلى رؤية قطر 2030، يبدو واضحاً أن الهاجري يرى في سنونو مثالاً عملياً على الانتقال من اقتصاد تقليدي إلى اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. ويشير إلى أن القطاع التقني في قطر كان دخله شبه معدوم قبل سنوات، بينما أصبحت سنونو اليوم، بحسب حديثه، تدخل أكثر من 400 مليون ريال سنوياً في الميزان التجاري للدولة. وهذا لا يعني الأرقام وحدها، بل يعني أيضاً الوظائف والفرص والبيئة الاقتصادية الجديدة التي تنشأ حول هذا النشاط.
كما يطمح إلى أن تسهم سنونو بنسبة 1.5% من الناتج الوطني بحلول 2030، ويكشف عن منتج جديد هو «سنونو كلاود»، وهو نظام خدمات سحابية يتيح لشركات في دول أخرى أن تبني تطبيقات مشابهة لسنونو باستخدام تقنيتها، مقابل نسبة من دخل تلك الشركات. وهنا، تتحول سنونو من شركة تعمل داخل قطر فقط، إلى شركة تصدّر المعرفة والتقنية رقمياً إلى الخارج، من دون وجود مادي مباشر هناك. وهذا بالضبط ما يراه الهاجري جزءاً من تحقيق رؤية قطر 2030: ليس فقط بناء شركات محلية، بل بناء شركات تنتج معرفة، وتخلق وظائف نوعية، وتمتلك حقوقاً فكرية مسجلة داخل قطر، وتعيد تعريف طبيعة الاقتصاد الوطني.
وفي رسالته إلى الشباب القطري الراغب في دخول عالم ريادة الأعمال، يعود الهاجري إلى ثلاث ركائز يراها أساسية: الحلم الكبير، والمثابرة، وعدم الاحتفال المبكر. فهو يرى أن من دون حلم كبير، يصعب بناء مشروع نوعي فعلاً. كما يؤكد أن الرحلة تحتاج إلى انضباط شديد، وعمل يومي طويل، وشغف حقيقي، لأن هذا هو ما يمنح صاحب المشروع القدرة على الاستمرار في الأيام الصعبة. أما عدم الاحتفال المبكر، فهو يعني عنده أن النجاح ليس محطة نهائية، بل مجرد دافع لمواصلة الطريق. فبرغم ما حققته سنونو، لا يزال يعتبر أن ما أنجزه حتى الآن لا يتجاوز جزءاً بسيطاً جداً من الهدف الأكبر الذي يطمح إليه.
وفي ختام حديثه، يوجه الهاجري رسالة تحمل نبرة شخصية واضحة إلى الجيل الجديد، مفادها أن أهم صوت ينبغي أن يسمعوه هو صوتهم الداخلي. ذلك الصوت الذي يقول لهم إنهم قادرون، وإن أحلامهم، مهما بدت كبيرة، ليست مستحيلة. وهو يرى أن الإنسان حين يقيس الأمور بقدراته الحقيقية وشغفه وإصراره، لن يجد ما يوقفه. وربما في هذه الفكرة تختصر تجربة حمد الهاجري كلها: أن النجاح لا يبدأ من السوق، بل من الإيمان الداخلي بالفكرة، ثم من الشجاعة في اختبارها، ثم من الاستمرار في تطويرها حتى تتحول من حلم شخصي إلى أثر اقتصادي ومعرفي واسع.
حمد الهاجري و«سنونو».. من شغف الطفولةإلى بناء واحدة من أبرز المنصات العربية
