في زمن تتسارع فيه التقنيات وتتشابك فيه التخصصات، تبرز نماذج طلابية تؤكد أن العلم لا ينفصل عن المجتمع، وأن الهوية الثقافية يمكن أن تكون مصدراً حياً للإلهام والابتكار. ومن بين هذه النماذج، تبرز وفاء العويري، الطالبة في قسم النظم الجغرافية، بوصفها مثالاً لشابة قطرية استطاعت أن تستثمر شغفها بالثقافة والتراث والهوية الوطنية في مشروع علمي يحمل طابعاً معاصراً، ويعكس قدرة الجيل الجديد على قراءة الموروث المحلي بلغة التكنولوجيا الحديثة.
لم يكن مشروع وفاء مجرد عرض أكاديمي عابر، بل جاء نتيجة وعي واضح بأن التراث القطري ليس مادة ثابتة تحفظ في الذاكرة فقط، بل مساحة واسعة يمكن أن تُقرأ، وتُفهم، وتُطور، وتُقدم من جديد عبر أدوات العلم. ومن هنا، انطلقت فكرتها من محاولة الجمع بين العراقة والحداثة، عبر اختيار الصقر، أحد الرموز العميقة في الثقافة القطرية والخليجية، ليكون محوراً لمشروعها. فالصقر ليس مجرد طائر يرتبط بالصحراء أو الصيد، بل يحمل حضوراً قوياً في الوعي المحلي، ويرتبط بالمكانة الاجتماعية والهوية والتاريخ والموروث الشعبي.
وقد اختارت وفاء في مشروعها صقر الشاهين، أحد أشهر وأسرع الأنواع الموجودة في قطر، لتقدم من خلاله نموذجاً يجمع بين البعد التراثي والتقني. وتمثلت الفكرة في دمج هذا الرمز التراثي مع أدوات حديثة من صميم تخصصها، من بينها تقنية GPS المزروعة في الريشة، إلى جانب استخدام الدرون للتصوير والرصد والأغراض التطبيقية الأخرى. وبهذا، لم يعد المشروع مجرد استعراض بصري لفكرة مبتكرة، بل أصبح نموذجاً واضحاً لكيف يمكن لتخصص نظم المعلومات الجغرافية أن يقترب من التراث، ويعيد تقديمه بلغة علمية حديثة.
ويعكس هذا المشروع شغف وفاء العويري العميق بـ الثقافة القطرية، وحرصها على أن يكون لتخصصها امتداد واقعي يمس البيئة المحلية والهوية الوطنية. فهي لم تتعامل مع النظم الجغرافية بوصفها علماً تقنياً منفصلاً عن الإنسان والمكان، بل رأت فيها أداة يمكن أن تخدم التراث، وتساعد على فهم عناصره من زوايا جديدة، وتمنحها بعداً تطبيقياً أقرب إلى الأجيال الجديدة. وهذا في حد ذاته يكشف عن وعي علمي وشخصي ناضج، لأن الطالب المتميز لا يكتفي بتلقي المعرفة كما هي، بل يبحث دائماً عن الطريقة التي يجعل بها هذه المعرفة أكثر اتصالاً بمجتمعه وأكثر تعبيراً عن اهتماماته.
كما تبدو وفاء في هذه التجربة طالبة مجتهدة وطموحة، لا تكتفي بإنجاز المطلوب أكاديمياً، بل تسعى إلى تقديم ما يتجاوز حدود المقرر والمشروع الدراسي التقليدي. واختيارها لهذا النوع من الأفكار يدل على شخصية تبحث عن المعنى، وتدرك أن النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في الجانب العلمي المجرد، بل أيضاً في القدرة على توظيف العلم في ما يخدم الثقافة والمجتمع والهوية. ومن خلال هذا التوجه، قدمت نموذجاً لطالبة لا تفصل بين ما تحبه وما تدرسه، بل تجعل من شغفها بالتراث والهوية دافعاً لبناء مشروع يعكس شخصيتها ووعيها واجتهادها.
ولا تقتصر أهمية هذه التجربة على المشروع نفسه، بل تمتد إلى الرسالة التي يحملها. فمشروع وفاء العويري يقول بوضوح إن العلم لا يلغي التراث، بل يمنحه لغة جديدة للحضور، وإن الهوية لا تحفظ فقط بالكلمات أو الرموز، بل يمكن أيضاً أن تُفهم وتُوثّق وتُطوّر من خلال أدوات معاصرة. كما يفتح هذا النوع من المشاريع الباب أمام فهم جديد للموروث، لا باعتباره شيئاً ساكناً من الماضي، بل باعتباره عنصراً حياً يمكن أن يدخل في مجالات البحث والتكنولوجيا والتحليل والتطبيق.
ومن هذه الزاوية، تصبح تجربة وفاء العويري أكثر من مجرد مشاركة طلابية؛ إنها مؤشر على وجود جيل شاب يمتلك القدرة على الجمع بين الأصالة والمعرفة الحديثة، ويعرف كيف يحول ميوله واهتماماته الثقافية إلى مشاريع تحمل قيمة حقيقية. كما تؤكد أن الطالب المجتهد، حين يتسلح بالشغف والوعي والاجتهاد، يستطيع أن يصنع من تخصصه مساحة للإبداع، وأن يربط بين ما يتعلمه في الجامعة وما يراه جزءاً من هويته ومجتمعه.
وهكذا، تقدم وفاء العويري صورة مشرقة للطالبة القطرية التي استثمرت حبها للتراث والهوية في مشروع علمي حديث، وأثبتت أن التميز لا يأتي فقط من إجادة الأدوات التقنية، بل من امتلاك رؤية ترى في العلم وسيلة لخدمة الثقافة، وفي الثقافة مصدراً للإلهام والابتكار. وفي مشروعها، يبدو الصقر أكثر من رمز تراثي، ويبدو الـGPS والدرون أكثر من أدوات تقنية؛ فكلها اجتمعت لتقول إن المستقبل لا يبنى بقطع الصلة مع الماضي، بل بإعادة اكتشافه وتقديمه بروح جديدة تليق بعصره وتحفظ جذوره.
…وفاء العويري – حين يلتقي الشغف بالهوية بأدوات العلم الحديث
